صديق الحسيني القنوجي البخاري

357

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال ابن عباس : تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم ، أخرجه أبو داود « 1 » موقوفا ، وقد امتثل بهذا الأمر عصابة أهل الحديث دون غيرهم كثر اللّه سوادهم ورفع عمادهم . أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها والاستفهام للتوبيخ والتقريع على قراءة من قرأ بهمزتين على الأصل أو بقلب الثانية أي لا تنبغي ولا تصح منكم هذه الشهادة لأن المعبود واحد لا تعدد فيه ، وأما من قرأ على الخبر فقد حقق عليهم شركهم ، وإنما قال آلهة أخرى لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كذا قال الفراء ومثله قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الأعراف : 180 ] وقال : فما بال القرون الأولى ولم يقل الأول ولا الأولين . قُلْ فأنا لا أَشْهَدُ بما تشهدون به أن معه آلهة أخرى بل أجحد ذلك وأنكره وذلك لكون هذه الشهادة باطلة ومثله فإن شهدوا فلا تشهد معهم قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له وبذلك أشهد ، وفي ( ما ) وجهان أظهرهما أنها كافة والثاني أنها موصولة قال أبو البقاء وهذا الوجه أليق بما قبله ، قال السمين : ولا أدري ما وجه ذلك يعني الأولى هو الوجه الأول وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به وما موصولة أو مصدرية أي من الأصنام التي تجعلونها آلهة أو من إشراككم باللّه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 20 إلى 22 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والتعريف للجنس فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما يَعْرِفُونَهُ أي يعرفون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال به جماعة من السلف وإليه ذهب الزجاج ، وقيل يعرفون القرآن معرفة محققة بحيث لا يلتبس عليهم منه شيء وقيل يعود الضمير على التوحيد لدلالة قوله : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أو على كتابهم أو على جميع ذلك وأفرد الضمير اعتبارا بالمعنى كأنه قيل يعرفون ما ذكرنا وقصصنا . كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ بيان لتحقق تلك المعرفة وكمالها وعدم وجود شك فيها فإن معرفة الآباء للأبناء هي البالغة إلى غاية الإيقان إجمالا وتفصيلا الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي أهلكوها وغبنوها وأوبقوها في نار جهنم بإنكارهم نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقيل

--> ( 1 ) كتاب العلم باب 10 .